منذ البداية راهنت الشبكات على الكهرباء — تيار ينتقل في أسلاك نحاسية ليُمثّل الأصفار والآحاد. لكن الكهرباء لها حدودها: تضعف مع المسافة، تُشوّشها الأمواج الكهرومغناطيسية، ولا تستطيع عبور المسافات الطويلة بكفاءة مقبولة. وحين احتاجت البشرية لربط قارات بشبكة واحدة، كانت الكهرباء وحدها غير كافية.
| كابل الألياف الضوئية — كيف يُرسَل الضوء عوضاً عن الكهرباء؟ |
الحل جاء من الضوء. كابل الألياف الضوئية (Fiber Optic Cable) يُرسل البيانات ليس كجهد كهربائي بل كـنبضات ضوئية تسري بسرعة الضوء داخل خيط زجاجي أنقى مما تتخيل. نتيجة؟ سرعات بمئات الـ Gbps، مسافات بآلاف الكيلومترات، وأمان يُقلق المهاجمين.
جدول المحتويات
في هذا المقال سنفتح كابل الألياف الضوئية ونُشرّح كل طبقة فيه، نفهم السر الفيزيائي الذي يجعل الضوء محاصراً داخل الزجاج بدون أن يتسرب، نتعرف على أنواعه وموصلاته، ونفهم لماذا يُعدّ من أكثر وسائط الإرسال أماناً حتى اليوم.
ما هو كابل الألياف الضوئية؟
كابل الألياف الضوئية هو وسيط إرسال يعتمد على خيط رفيع من الزجاج أو البلاستيك الشفاف لنقل البيانات في شكل نبضات ضوئية بدلاً من إشارات كهربائية. كل نبضة ضوئية تُمثّل بت "1"، وغياب الضوء يُمثّل بت "0".
الزجاج المستخدم ليس الزجاج العادي — بل زجاج سيليكا (Silicon Dioxide) ذو نقاء استثنائي يقل فيه الشوائب عن جزء من مليار جزء. هذا النقاء الفائق هو ما يجعل الضوء يسير لعشرات الكيلومترات بتوهان ضئيل جداً.
| صورة توضيحية صورة لحزمة ألياف ضوئية متوهجة توضح انتقال الضوء داخلها |
القطر الإجمالي للكابل قد يبدو سميكاً بفعل طبقات الحماية — لكن الخيط الزجاجي نفسه في قلبه ليس أكبر من شعرة الرأس أو أقل. النواة الزجاجية في Singlemode مثلاً قطرها 9 ميكرومتر فقط — أقل من عُشر قطر شعرة الرأس البشرية.
مبدأ الانعكاس الكلي الداخلي (Total Internal Reflection)
السؤال المنطقي الأول: إذا كان الزجاج شفافاً، أليس الضوء سيتسرب من جانبيه ويتبدد بدلاً من أن يسير للأمام؟
الجواب يكمن في ظاهرة فيزيائية رائعة تُسمى الانعكاس الكلي الداخلي (Total Internal Reflection). وهي الظاهرة التي تُحوّل الألياف الضوئية من فكرة مجنونة إلى واقع هندسي مذهل.
كيف يعمل الانعكاس الكلي الداخلي؟
حين ينتقل الضوء من وسط أكثر كثافة بصرياً إلى وسط أقل كثافة (كانتقاله من زجاج لهواء)، ينكسر ويبتعد عن الخط العمودي. كلما زادت زاوية السقوط، زاد انكسار الضوء. وعند زاوية معينة تُسمى الزاوية الحرجة (Critical Angle)، يصبح الضوء منعكساً كلياً بدلاً من أن ينكسر ويخرج.
في الألياف الضوئية: تُصمَّم النواة الزجاجية بمعامل انكسار (Refractive Index) أعلى من الغلاف المحيط بها. الضوء الداخل في النواة يصطدم بواجهة النواة/الغلاف بزاوية أقل من الزاوية الحرجة — فينعكس كلياً للداخل. ثم يصطدم بالجهة الأخرى وينعكس مجدداً. وهكذا يتزغزغ الضوء داخل النواة من جانب إلى جانب طوال الكابل كله — محاصَراً تماماً دون خسارة تُذكر.
| صورة توضيحية رسم مقطعي طولي للألياف يُظهر الضوء ينعكس بزاوية حرجة من جانب الكابل لجانبه الآخر وهو يتقدم للأمام |
الضوء في الألياف الضوئية مثل كرة السكواش في ملعب محاط بجدران مثالية — تنعكس إلى الأبد دون أن تخرج من الحدود.
تشبيه لفهم الانعكاس الكلي الداخلي
دور معامل الانكسار في التصميم
معامل الانكسار للنواة يُرمَز له بـ n1، وللغلاف بـ n2، حيث n1 > n2 دائماً. الفرق بين n1 وn2 يُحدد الزاوية الحرجة وبالتالي قدرة الكابل على حبس الضوء. في Singlemode الفرق ضئيل جداً (نواة رفيعة)، وفي Multimode أكبر (نواة أسمك).
البنية الداخلية: أربع طبقات متخصصة
تماماً كالكابل المحوري، تتكوّن الألياف الضوئية من طبقات متداخلة، كل منها بدور محدد:
| توضيحية ضرورية مقطع عرضي وطولي للكابل يُظهر الطبقات الأربع بألوان مختلفة مع تسمية كل طبقة |
الطبقة الأولى: النواة (Core)
القلب الفعلي للكابل — خيط الزجاج الذي يسير فيه الضوء. مصنوع من سيليكا عالية النقاء مع إضافات دقيقة (Dopants) لرفع معامل انكسارها.
قطر النواة يختلف حسب النوع: 62.5 أو 50 ميكرومتر في Multimode، و9 ميكرومتر فقط في Singlemode. هذا الفرق في القطر هو ما يُحدد عدد الأنماط الضوئية التي تستطيع السفر في الوقت ذاته.
الطبقة الثانية: الغلاف الضوئي (Cladding)
يُحيط بالنواة مباشرة طبقة من الزجاج أيضاً، لكن بمعامل انكسار أقل (n2). هي التي تُحقق الانعكاس الكلي الداخلي — الضوء يصطدم بحد النواة/الغلاف وينعكس للداخل.
القطر الإجمالي للنواة + الغلاف في كلا النوعين: 125 ميكرومتر. هذا التوحيد القياسي يُتيح تبادل الكابلات والموصلات بين الشركات المختلفة.
الطبقة الثالثة: الطلاء الواقي (Coating / Buffer)
طبقة بلاستيكية ناعمة تُحيط بالغلاف الزجاجي. وظيفتها ميكانيكية بحتة — تحمي الزجاج الهش من الصدمات والكسر أثناء الإنتاج والتركيب. الزجاج وحده هش جداً — هذه الطبقة تمنحه مرونة عملية.
الطبقة الرابعة: الجلد الخارجي (Jacket)
الغلاف الخارجي الأخير — عادة من PVC أو LSZH أو مواد متخصصة للتطبيقات الخارجية أو البحرية. يحمي الكابل كاملاً من البيئة: الرطوبة والحرارة والانثناء والضغط.
| الطبقة | المادة | القطر (Multimode) | الدور |
|---|---|---|---|
| النواة (Core) | سيليكا عالية النقاء | 50 أو 62.5 μm | مسار انتقال الضوء |
| الغلاف الضوئي (Cladding) | سيليكا بمعامل انكسار أقل | 125 μm (إجمالي) | عكس الضوء للداخل |
| الطلاء الواقي (Coating) | بلاستيك أكريليك | 250 μm | حماية ميكانيكية للزجاج |
| الجلد الخارجي (Jacket) | PVC / LSZH / PE | يتفاوت حسب الكابل | حماية بيئية شاملة |
أجهزة الإرسال والاستقبال: LED وDiode Laser
الألياف الضوئية بحاجة لجهاز يُحوّل الإشارة الرقمية الكهربائية إلى نبضات ضوئية عند الإرسال، وجهاز عكسي يُحوّل الضوء المستقبَل إلى إشارة كهربائية في الاستقبال.
| صورة توضيحية جانب الإرسال — LED أو Laser يُشعّ ضوءاً في النواة. جانب الاستقبال — Photo Detector يستقبل الضوء ويُحوّله لإشارة كهربائية |
مصادر الضوء: LED مقابل Laser Diode
| المعيار | LED (ثنائي الإضاءة) | Laser Diode (ثنائي الليزر) |
|---|---|---|
| نوع الضوء | ضوء غير متماسك (غير متوازٍ) | ضوء متماسك ومُوجَّه بدقة |
| التكلفة | أرخص | أغلى بكثير |
| السرعة | أبطأ (أقل من 1 Gbps عادةً) | أسرع بكثير (عشرات Gbps) |
| المسافة | قصيرة (LAN — أقل من 2 كيلومتر) | طويلة جداً (WAN — عشرات الكيلومترات) |
| نوع الألياف | Multimode فقط | Singlemode (وبعض Multimode) |
| الاستخدام | شبكات LAN داخل المباني | شبكات WAN، الكابلات البحرية |
كاشف الضوء عند الاستقبال
في الطرف المستقبِل، يُستخدم Photo Detector (عادة PIN Diode أو Avalanche Photodiode — APD). وظيفته تحويل النبضات الضوئية القادمة إلى إشارة كهربائية يستطيع دائرة الاستقبال تحليلها واستخلاص الأصفار والآحاد منها.
الألياف متعددة الأنماط (Multimode Fiber)
كلمة "نمط" هنا تعني مسار الضوء. في Multimode، النواة العريضة (50 أو 62.5 ميكرومتر) تُتيح للضوء السفر بعدة مسارات مختلفة في نفس الوقت — كل مسار يدخل بزاوية مختلفة وينعكس بطريقة مختلفة.
| صورة توضيحية ضرورية رسم طولي يُقارن Multimode (ضوء يسير بمسارات متعددة داخل نواة عريضة) مع Singlemode (ضوء يسير في مسار مستقيم واحد داخل نواة ضيقة) |
مشكلة التشتت المودي (Modal Dispersion)
لأن المسارات المختلفة لها أطوال مختلفة، الأنماط المختلفة تصل في أوقات مختلفة قليلاً. نبضة ضوئية واحدة قصيرة تُرسَل من المصدر تصل في الطرف الآخر مُتسّعة وممتدة زمنياً بدلاً من أن تكون حادة ومحددة. هذا يُسمى Modal Dispersion، ويُقلّل سرعة الإرسال القصوى.
كلما طالت المسافة، كلما تراكم التشتت وانخفضت السرعة القصوى. لهذا Multimode مناسب للمسافات القصيرة فقط (أقل من 2 كيلومتر عادةً).
Graded-Index: الحل الجزئي للتشتت
جيل أحدث من Multimode يُسمى Graded-Index يحل المشكلة جزئياً: معامل الانكسار لا يتغير فجأة من النواة للغلاف بل يتدرّج تدريجياً. الأنماط الخارجية (التي تقطع مسافة أطول) تسير بسرعة أعلى لأن معامل الانكسار أقل عند الأطراف — فتُعوّض الفارق الزمني وتصل متزامنة أكثر مع الأنماط الداخلية.
أنواع Multimode ومواصفاتها
| التصنيف | قطر النواة | أقصى سرعة | أقصى مسافة | مصدر الضوء |
|---|---|---|---|---|
| OM1 (62.5 μm) | 62.5 μm | 1 Gbps | 275 متر | LED |
| OM2 (50 μm) | 50 μm | 1 Gbps | 550 متر | LED |
| OM3 (50 μm) | 50 μm | 10 Gbps | 300 متر | Laser (850nm) |
| OM4 (50 μm) | 50 μm | 10 Gbps | 550 متر | Laser (850nm) |
| OM5 (50 μm) | 50 μm | 100 Gbps | 150 متر | Laser متعدد الأطوال الموجية |
الألياف أحادية النمط (Singlemode Fiber)
حين تحتاج الإشارة لقطع مسافات بالكيلومترات — بين مدن أو عبر محيطات — يأتي دور Singlemode Fiber. النواة ضيقة للغاية (9 ميكرومتر) بحيث لا يوجد مجال إلا لـنمط ضوئي واحد للانتقال في خط مستقيم تقريباً.
بغياب التشتت المودي، الإشارة تصل حادة ونظيفة كما انطلقت — حتى بعد عشرات الكيلومترات. فيزياء النواة الضيقة تُلغي المشكلة من جذرها بدلاً من محاولة حلها.
أنواع Singlemode ومواصفاتها
| التصنيف | المسافة القصوى | السرعة | الاستخدام |
|---|---|---|---|
| OS1 (داخلي) | 2–10 كيلومتر | حتى 10 Gbps | داخل المباني الكبيرة |
| OS2 (خارجي) | حتى 200 كيلومتر | حتى 100 Gbps+ | شبكات MAN وWAN والكابلات البحرية |
الطول الموجي المُستخدَم في Singlemode عادةً 1310nm أو 1550nm — في النطاق تحت الأحمر حيث يكون توهان زجاج السيليكا في أدنى مستوياته (أقل من 0.2 dB لكل كيلومتر عند 1550nm).
مقارنة شاملة: Multimode مقابل Singlemode
| المعيار | Multimode | Singlemode |
|---|---|---|
| قطر النواة | 50 أو 62.5 μm | 9 μm |
| عدد الأنماط | مئات الأنماط | نمط واحد |
| مصدر الضوء | LED أو Laser 850nm | Laser 1310/1550nm |
| المسافة القصوى | حتى 550 متر (OM4) | حتى 200+ كيلومتر |
| التشتت المودي | موجود (يحد من المسافة) | غير موجود |
| التكلفة | أقل (كابل + SFP) | أعلى (Laser أغلى) |
| التوصيل | أسهل (نواة أوسع) | أصعب (دقة عالية جداً) |
| الاستخدام الأمثل | LAN، مبانٍ، حرم جامعي | WAN، مدن، كابلات بحرية |
| لون الجلد الخارجي (شائع) | برتقالي (OM1/OM2) أو أكوا (OM3/OM4) | أصفر |
موصلات الألياف الضوئية: ST وSC وLC
الموصلات البصرية أكثر تخصصاً وحساسية من موصلات الكابلات النحاسية — فالدقة المطلوبة لمحاذاة خيط زجاجي بقطر 9 ميكرومتر لا تحتمل أي خطأ. إليك أشهر الأنواع:
| صورة توضيحية صور لأنواع الموصلات ST وSC وLC جنباً إلى جنب مع تسمية كل منها |
موصل ST (Straight Tip)
من أقدم موصلات الألياف وأكثرها انتشاراً في جيله. يعتمد على آلية القفل الدوارة (Bayonet) بربع دوره — مثل BNC تماماً. يتميز بطرف دائري بارز.
- آلية القفل: دوارة Bayonet (ربع لفة)
- الاستخدام: شبكات LAN التقليدية، المعدات القديمة
- نوع الألياف: Multimode أساساً
- الحالة: يتراجع لصالح SC وLC
موصل SC (Subscriber Connector)
الموصل المربع الشكل ذو الضغط المباشر (Push-Pull). يُعدّ من أكثر الموصلات توازناً بين سهولة الاستخدام والأداء. يُركَّب ويُفصَل بضغطة بسيطة للأمام أو للخلف.
- آلية القفل: ضغط مباشر (Push-Pull)
- الشكل: مربع بارز
- الاستخدام: Ethernet عالي السرعة، كابلات الألياف في المباني
- نوع الألياف: Multimode وSinglemode
- ميزة: سهل الاستخدام، مقاوم للخطأ في الاتجاه
موصل LC (Lucent Connector / Little Connector)
الأصغر والأكثر كثافة — يُستخدم بكثافة في المعدات الحديثة وSFP المدمجة. قطره نصف قطر SC تقريباً، مما يُتيح كثافة موصلات أعلى في نفس المساحة.
- آلية القفل: مشبك (Latch)
- الشكل: صغير ومدبّب
- الاستخدام: SFP، معدات 10G+، مراكز البيانات الحديثة
- نوع الألياف: Multimode وSinglemode
- ميزة: كثافة عالية جداً — يُناسب معدات السيرفر والشبكات عالية الكثافة
موصلات أخرى جديرة بالذكر
| الموصل | الخاصية | الاستخدام |
|---|---|---|
| MTP / MPO | يحمل 12 أو 24 ليفة في آنٍ واحد | مراكز البيانات عالية الكثافة |
| FC (Fiber Channel) | آلية برغي للقفل | معدات القياس، بعض WAN |
| E2000 | غطاء واقٍ للطرف البصري | أوروبا، المعدات الطبية |
مزايا وعيوب كابل الألياف الضوئية
المزايا
- سرعات هائلة: من عشرات الـ Gbps في LAN إلى مئات الـ Tbps في الكابلات البحرية الحديثة — لا حدود فيزيائية قريبة في الأفق.
- مسافات طويلة جداً: Singlemode يصل لمئات الكيلومترات بدون Repeater — مستحيل مع النحاس.
- حصانة كاملة من EMI: الضوء لا تؤثر عليه المجالات الكهرومغناطيسية — يعمل بثبات تام بجانب محركات كهربائية ضخمة أو أجهزة MRI.
- لا تسريب كهرومغناطيسي: الزجاج لا يُشعّ موجات كهرومغناطيسية — مما يجعل التنصت الكهرومغناطيسي مستحيلاً.
- خفة الوزن: ألياف متعددة في كابل نحيف وخفيف جداً مقارنة بما تُوازيه من نحاس.
- العزل الكهربائي: لا تُوصل الكهرباء — مما يُلغي خطر الصواعق والصدمات الكهربائية ومشاكل Ground Loop.
العيوب
- التكلفة الأعلى: الكابل والموصلات والمعدات (SFP، Laser) أغلى بكثير من النظيرات النحاسية.
- هشاشة الزجاج: الألياف الزجاجية تنكسر بالثني الحاد — تتطلب معالجة حذرة وتجنب نصف قطر انحناء أقل من الحد الأدنى.
- صعوبة الوصل والتركيب: وصل الألياف يتطلب معدات متخصصة (Fusion Splicer يكلف آلاف الدولارات) وخبرة دقيقة.
- صعوبة استكشاف الأعطال: كسر داخل الكابل لا يُرى بالعين — يتطلب جهاز OTDR (Optical Time Domain Reflectometer) متخصصاً لتحديد موضع العطل.
الألياف الضوئية والأمن السيبراني: الوسيط الأصعب تنصتاً
من منظور الأمن السيبراني، الألياف الضوئية تُعدّ من أكثر وسائط الإرسال أماناً فيزيائياً — وهذا ليس مجرد ادعاء تسويقي بل حقيقة فيزيائية لها أسباب موثقة.
لماذا يصعب التنصت على الألياف؟
أولاً — لا إشعاع كهرومغناطيسي: الكابلات النحاسية تُشعّ إشارات كهرومغناطيسية يمكن التقاطها من خارج الكابل (Van Eck Phreaking). الألياف الزجاجية لا تُشعّ أي إشارة خارج قلبها — التنصت عن بُعد مستحيل فيزيائياً.
ثانياً — اكتشاف التنصت: الطريقة الوحيدة للتنصت على الألياف هي الوصول الفيزيائي المباشر وثني الكابل بزاوية محددة لجعل بعض الضوء يتسرب من النواة. لكن هذا الثني يُسبب خسارة ملحوظة في قوة الإشارة (Attenuation) يمكن رصدها بجهاز OTDR أو مقياس الضوء. أنظمة المراقبة المستمرة لقوة الإشارة تكتشف أي محاولة تنصت.
ثالثاً — صعوبة الوصول الفيزيائي: الألياف الضوئية تُركَّب عادةً في قنوات محمية ومُؤمَّنة. ولأن التنصت يتطلب وصولاً مباشراً، فإن الأمن الفيزيائي يكفي إلى حد كبير كحماية أولى.
| صورة توضيحية رسم يُظهر ثني الكابل بزاوية يُتيح تسرب الضوء + جهاز OTDR يرصد الخسارة في قوة الإشارة |
التنصت على الألياف: هل هو مستحيل تماماً؟
ليس مستحيلاً كلياً، لكنه صعب وكاشف. أجهزة متخصصة تُسمى Optical Fiber Tap تستطيع ثني الألياف بزاوية دقيقة لالتقاط كمية صغيرة من الضوء المتسرب بدون قطع الكابل. الوكالات الاستخباراتية المتطورة وثّقت القدرة على ذلك في سيناريوهات محدودة.
لكن حتى في هذه الحالة، التشفير من طرف لطرف (TLS/HTTPS، VPN، MACsec) يجعل البيانات الملتقطة غير قابلة للقراءة بدون مفتاح التشفير — وهو الدفاع الحقيقي الذي لا يعتمد على الوسيط الفيزيائي وحده.
الألياف في البيئات الحساسة
البيئات عالية الحساسية (حكومية، عسكرية، مصرفية) تُفضّل الألياف الضوئية لعدة أسباب مجتمعة: لا إشعاع كهرومغناطيسي قابل للالتقاط، رصد التنصت ممكن، لا تأثر بالـ EMI، وإمكانية تشغيل أنظمة مراقبة قوة الإشارة (OTDR Monitoring) بشكل مستمر لاكتشاف أي تلاعب فيزيائي.
خلاصة
الألياف الضوئية هي ذروة تطور وسائط الإرسال السلكية — حين استنفذ النحاس قدراته، جاء الزجاج والضوء ليُكسر كل الحدود. مبدأ الانعكاس الكلي الداخلي حوّل ظاهرة فيزيائية بسيطة إلى بنية تحتية تحمل معظم بيانات الإنترنت العالمي.
Multimode للمسافات القصيرة بتكلفة معقولة — مثالي للمباني والحرم الجامعي ومراكز البيانات الصغيرة. Singlemode للمسافات الطويلة جداً بأسعار أعلى — أساس الكابلات البحرية وشبكات المدن والدول.
من منظور الأمن السيبراني، الألياف الضوئية تُقدّم ميزة نادرة: التنصت يترك أثراً قابلاً للرصد. هذا يجعلها الخيار الأفضل لحماية البيانات الحساسة في مرحلة النقل الفيزيائي.
في المقال التالي من السلسلة، سنترك عالم الكابلات والأسلاك ونرفع أبصارنا نحو الهواء — الإرسال اللاسلكي في الشبكات: الأشعة تحت الحمراء، موجات الراديو، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية.
أسئلة شائعة (FAQ)
ما الفرق بين Singlemode وMultimode؟
Multimode نواتها أوسع (50 أو 62.5 μm) تُتيح أنماطاً ضوئية متعددة متزامنة — سرعة جيدة لمسافات قصيرة (أقل من 550 متر عادةً)، أرخص، يستخدم LED. Singlemode نواتها ضيقة جداً (9 μm) تُتيح نمطاً واحداً فقط — لا تشتت مودي فيعمل على مئات الكيلومترات بسرعات ضخمة، أغلى، يستخدم Laser متخصص. القاعدة: Multimode للـ LAN، Singlemode للـ WAN والمسافات الطويلة.
كيف يبقى الضوء محاصراً داخل الزجاج بدون تسرب؟
بظاهرة الانعكاس الكلي الداخلي. النواة الزجاجية مصنوعة بمعامل انكسار أعلى من الغلاف المحيط بها. حين يصطدم الضوء بحد النواة/الغلاف بزاوية أكبر من الزاوية الحرجة، ينعكس كلياً للداخل بدلاً من أن يخترق الغلاف. هذا الانعكاس يتكرر آلاف المرات طوال الكابل حاجزاً الضوء داخل النواة تماماً.
لماذا الألياف الضوئية أكثر أماناً من النحاس؟
لسببين رئيسيين: أولاً لا تُشعّ أي موجات كهرومغناطيسية قابلة للالتقاط من خارج الكابل — بعكس النحاس الذي يمكن التنصت عليه كهرومغناطيسياً. ثانياً، التنصت الفيزيائي على الألياف (بثني الكابل لتسريب الضوء) يُسبب خسارة ملحوظة في قوة الإشارة يمكن رصدها بأجهزة OTDR — وهو ما يجعل التنصت السلبي (دون ترك أثر) شبه مستحيل.
ما الفرق بين موصلات ST وSC وLC؟
ST أقدمها وأقلها شيوعاً حالياً، يعتمد على قفل دوار (Bayonet)، مستدير الشكل. SC مربع الشكل بضغط مباشر (Push-Pull)، سهل الاستخدام، شائع في LAN وWAN. LC الأصغر (نصف حجم SC تقريباً) بمشبك قفل، مُستخدَم بكثافة في SFP ومراكز البيانات الحديثة لكثافته العالية. اللون يُميّز نوع الألياف: أزرق/أخضر = Singlemode، أكوا = OM3/OM4.
ما هو SFP ولماذا يُستخدم مع الألياف؟
SFP (Small Form-factor Pluggable) هو وحدة صغيرة قابلة للإزالة تحتوي على مصدر الضوء (Laser أو LED) وكاشف الضوء (Photo Detector) اللازمَين للاتصال بالألياف الضوئية. تُوصَّل في منفذ SFP في الـ Switch أو Router. ميزتها أنها قابلة للاستبدال — يمكن تغيير نوع الإرسال (Multimode/Singlemode، المسافة، الطول الموجي) بتغيير SFP فقط دون تغيير الجهاز الشبكي كله.
هل يمكن توصيل Singlemode بـ Multimode مباشرة؟
لا يُنصح بذلك ولا يعمل بكفاءة. الفرق الهائل في قطر النواة (9 μm لـ Singlemode مقابل 50-62.5 μm لـ Multimode) يُسبب خسارة ضوئية كبيرة جداً عند نقطة الوصل — الضوء الخارج من Singlemode ينكشف على مساحة أوسع بكثير من حجمه. إذا احتجت ربط النوعَين، استخدم Mode Conditioning Cable أو محول بصري متخصص (Fiber Media Converter).